سورة مريم ( الجزء الثاني)



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه وسلم

مازلنا مع سورة مريم

سورة تحمل في أسمى معانيها لفظة واحدة دارت عليها أحداث السورة وهي كن فيكون

تتجلى فيها أروع معاني الرحمة والود لعباده الذين إصطفاهم بالنبوة والصديقية

والتعبد والتبتل لوجهه الكريم

أحبهم حبا خاصا بما يتناسب مع مقام النبوة والصديقية فخصهم بمكرمات ومعجزات
يتخللها ابتلاءات عظيمة ولسان الحال يقول هذه الابتلاءات ثمرتها أصبحوا مخلدين في كتاب الله أحياء في قلوب العباد وأحياء عند ربهم يرزقون
وبهذا ورد في الحديث النبوي يبتلى الانبياء فالصالحون فالامثل فالامثل
وهذه لغة لايفهمها الا أصحابها وكأني برسول الله صلى الله عليه وسلم
يمر أمام جبل أحد ويقول جبل أحد جبل يحبنا ونحبه
وكأن الابتلاء له شأنه عند اهله
تطالعنا السورة بعبد من عباد الله الصالحين وهو نبي الله زكريا عليه السلام
من أنبياء بني اسرائيل وهو شيخ كبير في محراب تهجده وقد وهن وضعف عظمه ورق
حت انعكس  على كل بنيته حتى شاب شعره يصور لنا القرآن همة شيخ كبير
يتعبد ربه في محراب الدعاء والسجود والضراعة يضرع بخفائه لخالقه
سبحانك تقبلت مريم وأنبتها نباتا حسنا وأكرمتها أيما إكرام
يامن انت على كل شيء قدير أعماقي تضرع إليك بخفاء عجيب انت وحدك الذي تسمعه
فأنت وحدك قادر ان تمنح ماتمنيته رغم أنني لا أملك وسائله
تمنيت من يخلفني في النبوة والدعوة اليك وتحبيبك الى خلقك وتحبيب خلقك اليك
جاءت كلمة كن فكان وتحققت الامنية ان الله أصلح زوجته وهي عجوزة عقيم
وحملت بنبي الله يحيي وقد أسماه الله عز وجل يحيي ليحيا وقد استشهد
والشهداء عند ربهم يرزقون
ووهبه الكريم أوسمة ليكون عطاء الله أكبر من أمنية دعوة أبيه له لأنه هو هبة الله
لعبده ونبيه زكريا أمتن الله عليه في قرة عين بشرته اياها كوكبة من الملائكة
بنبي الله سيدا في قومه وحصورا فيه من العفة والحياء والترفع عن المباح
في الزواج وهو يستطع الزواج وهو أهل للصلاح والورع والتقوى
وبارا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا فقد تبرأت كينونته من الجبروت والكبر والشقاء
وقد حضرني حديث رسول الله صلى آلله عليه وسلم
ألا أخبركم بأهل الجنة كل هين لين سهل ألف مألوف
الا اخبركم بأهل النار كل عتل جواظ مستكبر
اما العتل الجافي الطبع جواظ اللئيم مستكبر يأكل الكبر كله في تفكيره في مشيته
في ملبسه ومأكله وسلوكه
كل هذا كان لزكريا عبر نداء خفيا في الثلث الاخير من الليل في محراب التهجد
  دعاه خالقه لشكره بالتسبيح بحمده بكرة وعشيا وأمره بالصمت الذي يعانقه التسبيح بحمده ليحكي للعالم بأسره سر الحقيقة الناصعة البياض في قدرة العزيز الوهابAM]  وما ان بزغ الفجر وأرسلت الشمس خيوطها الذهبية في ضحاها كيف سيواجه النبي زكريا
المجتمع بغير ماعهدوه يأبى عقلهم الساذج وبشريتهم المحدودة ان يصدقوا بأن يرزق شيخ كبير وعجوز عقيم بولد بديع فريد في حسنه وكماله
فجاءت عبادته لخالقه تدافع عنه وتحيل الامر الى واقع مشهود لأن الذي أبرمه رب الوجود دعاه خالقه لشكره بالتسبيح بحمده بكرة وعشيا وأمره بالصمت الذي يعانقه التسبيح بحمده ليحكي للعالم بأسره سر الحقيقة الناصعة البياض في قدرة العزيز الوهاب
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه

من فريد القران الكريم القصص القرآني الذي يعتبر من أعظم رحمات الله في عباده
وكما علمنا ان القصص في القران الكريم يهدي الله بها عباده للتي هي أحسن
لما تنطوي عليه الفطرة البشرية من حب للقصة وتأثيرها على القلوب وخاصة قلب العبد المؤمن وتأثيرها في سلوكياته ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير
أراد الله ان يؤدب عباده ويهذبهم ويعلمهم عن طريق القصة في القران الكريم
وقد عرضها رب العالمين بأساليب متباينة وتنطوي على عنصر التشويق لمتابعة دراسة السورة ومعرفة دقائق القصة لتكون لتالي كتاب الله نبراس هدى ومعالم نور في طريق
حياته وهو يسير الى الدار الاخرة الى داره التي تنتظره جنات عدن التي وعد الرحمن
عباده بالغيب ان وعده كان مأتيا
والان سارع القلم ليخط لنا بمداد العبودية لله تعالى بعد التوحيد الصادق الذي ترجمته لنا
قصة فريدة من نوعها خالفت قواعد الفطرة التي فطر الله الوالدين عليها
تطالعنا بأب مهنته ينحت الاصنام ويبيعها ويعبد الناس بها
وظل ينحت ويبذل جهودا جبارة ليلا ونهارا في نحتها وصناعتها وبيعها للناس
وجعل للناس آلهة متعددة ان هذا لشيء عجاب
فتحول قلبه الى حجارة صماء لاتعقل ولا تفقه ولا تسمع ولا تبصر
وهذه نتيجة حتمية ومقتضى العدل الالهي فيه
لكن سبحان الله الكريم يخرج الحي من الميت فقد رزقه الله فتى أسماه إبراهيم
الاواه الحليم وهداه الصراط المستقيم وعرفت هنا وأيقنت ان الله هو رب العالمين
الذي يربي عباده أجمعين وهذا ماقاله القران الكريم على لسان إبراهيم
قال أفرأيتم ماكنتم تعبدون أنتم وآباءكم الاقدمون فانهم عدو لي الا رب العالمين
الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين واذا مرضت فهو يشفين
والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع ان يغفر لي خطيئتي يوم الدين
رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين واجعل لي لسان صدق في الاخرين
واجعلني من ورثة جنة النعيم واغفر لأبي انه كان من الضالين ولاتخزني يوم يبعثون
يوم لاينفع مال ولا بنون الا من أتى الله بقلب سليم
كان لابد من هذه المقدمة لما بين أيدينا في سورة مريم التي حفلت بقصص قرآني
محورها العام الرحمات المتوالية وكيف لايكون محورها الرحمات وهي تحكي في كل
ثوابتها قصة البر بالوالدين في أوجها وأعلاها مع كوكبة من الانبياء
بدأت بالنبي الصالح يحي فهو دعوة رسول كريم واستجاب الله له وصرح القران وشهد ببره
لوالديه
ثم بالنبي عيسى البار بوالدته وهو من اولي العزم وبرا بوالدتي
لكن الان سنرى قدرة الله في حنان رسول كريم وأدب رفيع يواجه أب كافر عنيد
انه آزر أب لابراهيم عليه الصلاة والسلام
قصة إبراهيم مع أبيه تحكي عن تربية الله لعباده المؤمنين الصالحين
تجعل منهم ملائكة يمشون على الارض بأشكال بشر
نرى أدب إبراهيم مع ابيه وكيف يتلطفه بلفظة معينة ياأبت فيها من التكريم والتوقير
لايعدلها لفظة لكن السؤال الخطير الذي يطرح نفسه وتعجب النفوس من هذا الحنان العجيب والرأفة الرائدة التي قدمها إبراهيم لأبيه
يخاف عليه من تعطيل عقله فهو يعبد ويدعو الناس الى عبادة من لايسمع ولا يبصر
ولايغني عنه شيئا سفه وضلال ليس بعده سفه ضال ومضلل
فهو مجرم بحق نفسه وحق غيره
يخاف عليه من الجهل فتلطفه ان دعاه لعبادة الله العظيم وهداه الى صراط مستقيم
يخاف عليه من عبادة الشيطان الذي كان للرحمن عصيا
يخاف عليه ان يعذبه الله بأن يحرمه الايمان والاحسان بذنبه العظيم وهو الشرك والضلال
اي بر هذا واية حنان ذاك
اختلطت دموعي بمداد القلم وسبحت بحمد ربي قلت سبحانك اذا كان عدوك عاملته بهذا الكرم المبين فكيف تعامل اولياؤك
أجابني كتاب ربي عبر قصة ابراهيم عندما قال له أبيه لئن لم تنته ياابراهيم لأرجمنك
واهجرني مليا قال سلام عليك سأستغفر لك ربي انه كان بي حفيا اي عالما بي
مايعتصرني من حرقة وغيرة على دينه فعوضه الله حبه وطاعته وسلام في نفسيته
ولذلك القران الكريم يفسر بعضه بعضا وهذا من جمال إحكامه وبديع لفظه
لنرى العوض لابراهيم عليه السلام
تولى الله قلبه إذ قال له ربه اسلم قال اسلمت لرب العالمين
واتخذ الله ابراهيم خليلا اي خالل قلبه وعقله وكله حب رب العالمين يترجم لنا حاله
في قوله قل ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين
وللحديث بقية تابعونا على صفحة في رحاب سورة
  

Comments